سورة البقرة - تفسير تفسير الشعراوي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (البقرة)


        


{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)}
بعد أن بيّن الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ولا ينسوه.. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه.. ماذا فعل اليهود؟
يقول الحق تبارك وتعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك}.. أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا إليه.. {فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين} ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو الزيادة عما تستحق.. يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك.
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سدّدوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يُدْخِلُ أحداً الجنةَ عملهُ قالوا: ولا أنت يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة».
فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه؛ فأنت تذكرت العمل ولم تتذكر الفضل.. وكل من يدخل الجنة فبفضل الله سبحانه وتعالى.. حتى الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا.. يقول الحق سبحانه وتعالى عنهم: {فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170].
فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد دخلوا الجنة بفضل الله.. فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا.. والله سبحانه وتعالى له فضل على عباده جميعا.. واقرأ قوله تعالى: {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243].
أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبه لغفران الذنوب. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني إسرائيل.. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ميثاقهم ومنهجهم.. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين في الدنيا والآخرة.. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف.. فرفع عنهم عبء حفظ الكتاب.. وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا.. ورحمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.. مصداقا لقوله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان في هذا الكون.. ومع هذه الرحمة وهذا الفضل.. بأن نزل إليهم في التوراة أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه.. فتح لهم بابا حتى لا يصبحوا من الخاسرين.. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم.


{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)}
بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود فتركوه.. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل عليها.. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون الدنيا.. وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم الجد.. أو نفضل أمرا على أمر.. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق تبارك وتعالى: {ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 9-10].
هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا.. وكلاهما من منهج الله.. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة.. ولا أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة.. إذا نودي للصلاة فإلى المسجد.. وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق.. وهناك يومان في الأسبوع ذكرا في القرآن بالإسم وهما يوم الجمعة والسبت.. بينما أيام الأسبوع سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالإسم.. وهي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس.. الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه إجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة.. ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ اشتقاقه من العدد.. فأيام الأسبوع نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والإثنين منسوب إلى إثنين.. والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى خمسة.
كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب.. لماذا؟ لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده.. فسماه الله تبارك وتعالى الجمعة وجعله لنا عيدا.. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، إجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم.. فالمؤمنون بالله يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم.. والسبت.. الباء والتاء تفيد معنى القطع.. وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله.. ونلاحظ أن خلق السموات والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الحديد: 4].
وكان تمام الخلق يوم الجمعة.. وفي اليوم السابع وهو يوم السبت.. كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون.. ولذلك له سبات أي أن هذا اليوم يسمى سباتا.. لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق.. فلما أراد اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو إمتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر وعملهم كان صيد السمك.
وكان الإبتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها طوال الأسبوع وربما لا يجدونها.. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح الماء تسعى إليهم لتفتنهم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163].
وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك والحيتان يوم السبت.. فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم لا يفعلون فيه أي شيء.. ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه الأسماك والحيتان.. صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم.. وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك.. هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة.. ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه.. وكان هذا تحايلا منهم على مخالفة أمر الله.. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من أوامره.
ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة.. يعلمها الأجداد للآباء والأباء للأحفاد.. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولذلك عندما سمع: {ولقد علمتم} أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة.. وكأنها من قصص التراث التي يتناقلونها.
وقوله تعالى: {الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت}.. المفعول هنا واحد هنا حيلة مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت.. هم حقيقة لم يصطادوا يوم السبت.. ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان والأسماك.. وكانوا في ذلك أغبياء.. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في حيازتهم بالصيد يوم السبت.. ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ.. وقوله تعالى: (اعتدوا) أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم.. وعادة حين يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187].
لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء.. حتى لا تقع في المعصية فيقول لك لا تقترب.. ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين بالطاعة وهم عاصون.. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع أنهم عاصون.. وصدر حكم الله عليهم: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.
وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان في قدرته أن يفعله.. الأمر هنا أن يكونوا قردة. فهل يستطيعون تنفيذه؟ وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة.. إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم كونوا قردة؟
نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة.. وهذا الأمر يسمى أمراً تسخيريّاً ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم بإرادتهم قردة.. ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا.. وهذا يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار.. ولو كان لا يريد ذلك ولا يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم.. لأنه لو كان المطلوب منهم تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازما.. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة.
ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون.. فلما وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان.. لم يأكلوا ولم يشربوا حتى ماتوا.. وقال بعض العلماء أن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا.. ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164].
ولو أنهم تناسلوا.. لتحمل الأبناء وزر آبائهم.. وهذا مرفوض عند الله.. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناسلون.. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم.
قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة.. فمن أين جاء اليهود الموجودون الآن؟ نقول لهم أنه لم يكن كل اليهود عاصين.. ولكن كان منهم أقلية هي التي عصت ومسخت.. وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم.. وقد قال علماء آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ السبيل} [المائدة: 60].
إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير وعبدة الطاغوت.. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة.. ولكنه لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير.. فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك إزداد غضب الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في القيم والإرادة والخلقة؟
نقول علينا أولا أن ننظر إلى البهيمية التي نقلهم الله إليها.. نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة دائما.. وإن عورته لها لون مميز عن جسده.
وأنه لا يتأدب إلا بالعصا.. واليهود كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور.. وما هم فيه الآن ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خُلُق.. والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه لازمة موجودة في اليهود.. وعبدة الطاغوت.. الطاغوت هو كل إنسان تجاوز الحد في البغي والظلم.. وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ظلمه وهم كذلك.
إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين مسألة شكلية.. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية.. فكأنهم مسخوا خلقه ومسخوا أخلاقا.


{فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)}
يريد الله تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية والأخلاقية لليهود: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} أي ما معها: {وَمَا خَلْفَهَا} أي ما بعدها: (والنكال) هو العقوبة الشديدة.. والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم أولا.. هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني.. فرجال القانون يقولون لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص.. قبل أن تعاقب لابد أن تقول أن هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا.. وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي إنسان يكون مستحقا للعقوبة.. ومادام هذا هو الموقف فلابد من تشريع.

والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة.. ولكن معناه محاولة منع الجريمة بالتخويف حتى لا يفعلها أحد.. فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة.. لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها.. وهذا الزجر يسمى نكولا ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه.
إذن قوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً}.. أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا.. حتى لا يعود أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: {نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}.. أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبدا.. وتكون لهم موعظة لا ينسونها: {وَمَا خَلْفَهَا} يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني إسرائيل جيلا بعد جيل.. كما بيننا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.. أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به.. حتى يقوا أنفسهم شر العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب.. على أننا لابد أن نلفت الإنتباه إلى أن مبدأ أنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص هو مبدأ إلهي.. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].
أي يأتي الرسول أولا ليجرم هذه الأفعال.. فإن ارتكبها أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة.. ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله.. فلا يوجد في عدالة السماء ما يقال عنه أثر رجعي.

18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25